الدين والثورة

من الخطاب الذي ألقاه عبد الفتاح إسماعيل في تموز/يوليو 1978 أمام رجال الدين في اليمن الديمقراطي


كلمة المحرر: الاشتراكية اليمنية في مواجهة تهمة "الإلحاد"

غالباً ما يتم اختزال تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وتشويهه عبر عدسات الحرب الباردة، حيث سادت صورة نمطية تصور قيادة اليمن الديمقراطي آنذاك كفصيل "ملحد" استورد ماركسية غريبة عن بيئة الجزيرة العربية. لكن الخطاب الذي ننشره هنا لـ عبد الفتاح إسماعيل — والذي ألقاه أمام رجال الدين في يوليو 1978 — يقدم دحضاً حاسماً لهذه السردية، ويكشف عن عمق الفكر الاشتراكي اليمني وأصالته.

في هذا النص، لا يكتفي عبد الفتاح إسماعيل بالدفاع عن الهوية الإسلامية لليمن، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بمحاولة "تبيئة" الاشتراكية العلمية داخل الثقافة العربية والإسلامية. هو لا يسعى لإلغاء الدين، بل لتحريره من قبضة "الإقطاع والأرستقراطية"، معتبراً أن الجوهر الحقيقي للإسلام هو الثورة على الظلم والاستغلال.

لماذا يستحق هذا المقال القراءة اليوم؟

-دحض فرية الإلحاد: يتحدث إسماعيل بلغة متجذرة في التراث، مستشهداً بحديث "الإيمان يمان" ومستحضراً دور القبائل اليمنية في نصرة الرسول، ليؤكد أن الثورة لم تأتِ لتمحو الهوية، بل لتعيد الاعتبار لجوهرها الكفاحي.

  • التوليفة بين الماركسية والإسلام: يقدم الخطاب مقاربات فكرية لافتة؛ فيربط بين "بيت مال المسلمين" والقطاع العام، وبين شعار "الأرض لمن يفلحها" والأحاديث النبوية حول إحياء الأرض. كما يستدعي شخصية أبي ذر الغفاري كرمز للاحتجاج الاجتماعي.

  • الدفاع عن قانون الأسرة: يقدم إسماعيل واحداً من أجرأ الدفاعات عن قانون الأسرة لعام 1974 (الذي كان الأكثر تقدماً في العالم العربي)، ليس من منظور ليبرالي، بل من منظور "العدل" الذي هو جوهر الشريعة، مفسراً تقييد تعدد الزوجات كاستجابة لشرط العدل القرآني.

إن إعادة نشر هذا المقال هي دعوة لتأمل تجربة فكرية فريدة حاولت الموازنة بين الراديكالية الاشتراكية والخصوصية الثقافية، بعيداً عن البروباجندا التي حاولت تصوير الصراع وكأنه حرب بين "الإيمان والكفر"، بينما كان في حقيقته صراعاً بين "التحرر والاستغلال".

الدين والثورة

أيها الأخوة والآباء رجال الدين، أحييكم، ويسعدني أن ألتقي بكم اليوم، في سلسلة اللقاءات التي تتم مع مختلف قطاعات الشعب. ولقاؤنا اليوم، كما أكد الوالد فضيلة الشيخ عبد الله محمد حاتم، لن يكون لمجرد التعارف ولمجرد الجلوس معكم، ولكنه نظم لنناقش معاً كل القضايا وكل الآراء، وكل ما ترغبون في طرحه ومناقشته.

انطلاقاً من هذا، أود هنا أن أؤكد مرة أخرى، أؤكد البديهيات. شعبنا في اليمن الديمقراطية، شعب عربي، وشعب مسلم في نفس الوقت، ومهما تحدثت الدعايات المغرضة، ومهما قالت الإشاعات، ومهما كانت البلبلة حول عروبة وإسلام شعبنا اليمني، فإنكم تدركون قبل غيركم مقدار ما تحمله هذه الدعايات والإشاعات والبلبلة من سخف وحقد على شعبنا وعلى ثورتنا.

فإذا كان هناك شعب من الشعوب العربية، يفخر بعروبته، فإن شعبنا اليمني هو أول هذه الشعوب. شعبنا اليمني هذا يفخر بعروبته، ويفخر أنه لعب دوراً حضارياً في العهود القديمة وفي العهود الوسطى، وهو اليوم يلعب دوراً مهماً من أجل بناء الحياة الجديدة، الحياة السعيدة في بلادنا.

وشعبنا اليمني، إلى جانب أنه شعب عربي، فإنه كذلك شعب مسلم، وشعبنا اليمني قدم العديد من التضحيات وقدم العديد من الشهداء، قدم العديد من الأبطال من أجل نصرة الإسلام. وكلكم تعرفون التضحيات التي قدمها شعبنا اليمني في سبيل نصرة الإسلام، وكان أول الشعوب التي آمنت بالإسلام ودخلت في دين الله أفواجاً.

ولن ننسى دور القبائل اليمنية التي كانت الأساس في نصرة الرسول محمد الذي اعتمد كثيراً على اليمنيين في نصرة الإسلام، وفي مقاتلة الكفرة الذين تمردوا عليه. وقد تحدث النبي محمد كثيراً عن دور اليمنيين وعن بسالتهم وأقدامهم وتضحياتهم. ومعروف لديكم أيضاً القول المأثور: "الإيمان يمان والحكمة يمانية".

وأنتم تدركون أيضاً، أن قوى الثورة المضادة، القوى المعادية والحاقدة على شعبنا وثورتنا، لن تستطيع أن تخلق من الدعايات والإشاعات والبلبلة ما يمس عروبته وروحه الإسلامية الأصيلة. فشعبنا الذي قدم التضحيات وساهم في مشرق العالم ومغربه، لن تضيره أو تحد من إيمانه ومبادئه مثل هذه الدعايات والإشاعات والبلبلة المعادية الحاقدة.

إنني اليوم، وأنا أتحدث معكم كإخوة وكآباء، أود أن تدركوا الحقيقة التالية: الإسلام تعرض لكثير من التشويه، وتعرض لكثير من التحريف وخصوصاً بعد انتهاء عهد الخلفاء الراشدين. ففي العهدين الأموي والعباسي استطاعت القوى الأرستقراطية أن تحول الإسلام إلى غير الهدف الذي جاء من أجله. وحولت مفاهيم الإسلام لخدمة مصالحها، لخدمة العروش والممالك والخلافة المتوارثة التي لم تكن لها أية علاقة بالإسلام على الإطلاق. وبذلك حولت الإسلام لخدمة مصالحها، واستطاعت أن تضلل جماهير المسلمين وفي نفس الوقت الجماهير العربية، باسم الإسلام، والإسلام منها بريء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.

لقد عملوا على تحريف المفاهيم الحقيقية التي جاء الإسلام ليعبر عنها كثورة؛ ثورة ضد الظلم وضد الاضطهاد وضد الاستغلال، ثورة ضد العبودية. والإسلام الذي جاء في جوهره كثورة، حولته القوى الإقطاعية والأرستقراطية، وأفرغته من جوهره الثوري، وحولته إلى خدمة أهداف أخرى. واليوم فإننا لا نستطيع أن نعرف جوهر الإسلام إلا من خلال ما جاء في القرآن وما ورد في حديث النبي محمد، وتفسير ذلك تفسيراً تقدمياً.

واليوم، لو جئنا لنستعرض ما هي عليه الشعوب الإسلامية، ماذا نرى؟ نرى أن عدداً كبيراً من هذه الشعوب قد فرضت عليها أنظمة ارتبطت ارتباطاً كاملاً بالدوائر الاستعمارية والأحلاف العسكرية المرتبطة بالإمبريالية، مثل حلف السنتو، الحلف الذي يستخدم العنف والقهر والحروب ضد إرادة الشعوب.

فهناك من يفهم الإسلام على حقيقته، ولكن هناك من لا يفهم ولا يعمل بجوهر الإسلام، ويدعي الإسلام زيفاً وبهتاناً. ونحن نفهم أن الإسلام اعتمد على الفقراء والكادحين، وكان العبيد من بين من قاتلوا وناضلوا من أجل نصرة الإسلام. نحن اليوم، إذا كنا نستخدم بعض المصطلحات الحديثة، المواكبة للعصر، فإنها في حقيقتها لا تتعارض مع جوهر الأهداف الاجتماعية التي جاء من أجلها الإسلام.

فقد جاء الإسلام ليحل بعض القضايا الاقتصادية والاجتماعية لمجموع الفقراء، وأنتم تعرفون أن هناك ما سمي بـ "بيت مال المسلمين". بيت مال المسلمين هذا يعني أن تكون الموارد العامة في خدمة جماهير الشعب. ونحن اليوم نتحدث عن القطاع العام في بلادنا. قد تكون التسمية تغيرت، ولكن القطاع العام للشعب، وعلى أساسه توجه حياة الناس الاقتصادية والمعيشية وتطورها باستمرار.

وكذلك أنتم تعرفون حديث النبي محمد عندما قال أن من أحيا قطعة أرض ميتة فهي له. وهذا ينسجم مع الشعار الذي يقول: "الأرض لمن يفلحها". ليس هناك خلاف في جوهر المعنى. فالمقصود هو أن من يعمل ويكدح، هو الذي يجب أن يحصل على ثمار هذه الأرض، وليس أن يكون عبداً أجيراً يستغل جهده وعرقه الآخرون الذين لا يعملون شيئاً.

إنه التطور الذي حدث في عصرنا. التسميات ليست الأمر المهم، إنما اليوم من يفهم الإسلام بطريقة مغايرة تماماً لجوهره وحقيقته. فجوهر الإسلام وحقيقته لا يتعارض إطلاقاً مع رفض الاستغلال ومحاربته، مع رفض الظلم والاضطهاد ومحاربتهما، لا يتعارض مع تحرر الفقراء والكادحين.

إذا كان الإسلام لا يتعارض مع هذا، وهو الأمر الذي نسير عليه، فإن هناك محاولات للإساءة إلى شعبنا وتجربتنا ونحن نعرف لماذا كل هذا الآن. نحن نسير في الطريق الصحيح الذي ينسجم مع الجوهر الذي نفهم به الإسلام. فتحرر شعبنا من الاستغلال والظلم، تحرر الفلاحين من الاستغلال والاضطهاد والعبودية، تحررهم من الإقطاع، وإجراءات التأميم وتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي، وجميع الإجراءات التي جاءت لمصلحة العدل والمساواة بين الناس، ولمصلحة تطوير الاقتصاد الوطني في بلادنا، كل هذه الإجراءات التي جاءت لمصلحة الجماهير في بلادنا، يعتبرها أدعياء الإسلام بدعة، في الوقت الذي يخلقون العديد من البدع التي ليست لها أية علاقة بالإسلام.

في العديد من البلدان الإسلامية اليوم، ما زال الاستغلال موجوداً، ما زال الظلم والاضطهاد موجودين، ما زال الإقطاع الذي يجعل من الإنسان مجرد عبد ممسوخ، مجرداً من الحرية والكرامة، ما زال الإقطاع هذا موجوداً. لكن أدعياء الإسلام لا يلتفتون إلى كل هذا، بل يباركونه.

نحن لا نفهم الإسلام كما يفهمه هؤلاء. لا نفهم الإسلام بأنه استغلال وظلم واضطهاد، لا نفهم الإسلام بأنه تقييد لحرية الشعوب ودوس لكرامتها وتبعية للقوى الإمبريالية والرجعية، لا نفهم الإسلام بأنه ارتباط بقوى لا تريد سوى ويلات الشعوب واستغلالها واستعبادها. نحن لا نفهم الإسلام هكذا، نحن نفهم الإسلام رفضاً ومقاومة للظلم والاستغلال والاضطهاد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. والكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد فهمنا هذا.

موقف الإسلام واضح. وخاصة فيما يتصل بالعمل وموقفه من العمل، وتقديره للذين يأكلون لقمة عيشهم من عرق جبينهم، وكذا فإن موقف الإسلام واضح من الزواج والمهور. نحن عندما أصدرنا قانون الأسرة وألغينا تعدد الزوجات، قال البعض أن هذا القانون جاء مخالفاً لما ورد في الشريعة الإسلامية، وقال أن للمسلم الحق في أن ينكح ما طاب له من النساء، مثنى وثلاث ورباع. ولكنهم لم يتذكروا قول القرآن: "وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"، وهذا يعني أن الإنسان كبشر، أن الإنسان كعواطف، لا يمكن أن يكون له عدد من القلوب وعدد من العواطف يوزعها على عدد من الزوجات. ونحن في تقديرنا أن هذا القانون ينسجم مع جوهر الإسلام، وهذا القانون جاء ليخدم جماهير شعبنا، جاء ليعيد للنساء الاعتبار، وليرسي أسساً صحيحة للعلاقات الزوجية والأسرية.

وفي الحقيقة، فإن الحديث في القضايا التي وردت في الإسلام يمكن أن يطول، ولكني أثق أنكم تعرفون جوهر الإسلام وحقيقته.

وحول الصراع الطبقي، أعداء شعبنا وثورتنا الذين يبثون الإشاعات والسموم، يقولون أن الصراع الطبقي يتعارض مع الإسلام. ونحن نعرف من هم الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ إنهم المستغلون الأغنياء الذين يحاولون الحفاظ على مصالحهم في استغلال جهد وعرق الكادحين. وفي الحقيقة فإن كبار رجال الإسلام تحدثوا عندما بدأ الإسلام يشق طريقه ويحقق الانتصارات، تحدثوا حول شكل من أشكال الصراع بين المُضطَهَدين (بالفتح) والمُضطَهِدين (بالكسر)، بين الظالمين والمظلومين.

علي بن أبي طالب تحدث حول هذا الموضوع، وتحدث عنه أيضاً الصحابي الكبير أبو ذر الغفاري، وكلنا يعرف قول أبي ذر الغفاري: "إني لأعجب لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه". هذا يدل دلالة واضحة، أن هناك مُضطَهَدين (بالفتح) ومُضطَهِدين (بالكسر)، هناك مستغَلين (بالفتح) ومستغِلين (بالكسر)، هناك فقراء وأغنياء، هناك من يموت تخمة وهناك من يموت جوعاً.

والقوى المعادية لشعبنا وثورتنا، هذه القوى التي تخشى التنظيم وتخشى قيام الحزب، تقول أن الإسلام يقول من تحزب خان وأن الحزبية مروق وخروج عن الإسلام. يقولون هذا باسم الإسلام، في الوقت الذي يعترف فيه الإسلام بالحزبية؛ يقول القرآن: "ألا إن حزب الله هم الغالبون". وهذا يعني أن للنبي محمد وأصحابه حزباً، مع فارق الزمن وتطور المجتمعات، وكان حزب النبي مؤلفاً من الجياع والفقراء والعبيد والمضطهدين الذين آمنوا وقدموا حياتهم رخيصة في سبيل انتصار أهداف الإسلام الحقيقية.

هكذا نحن نفهم الإسلام، فأعداؤنا أعداء كل تطور وتقدم، يقولون أحياناً كلمة حق يراد بها باطل. ونحن اليمنيين، الذين يحاول الأعداء النيل منا ومن سيادتنا، نحن اليمنيين معروفون في مختلف مراحل التاريخ باعتزازنا بوطننا، معروفون باعتزازنا بعروبتنا، ومعروفون أيضاً بدورنا التاريخي في الإسلام.